
أعرضت عن استعمال المصطلح الشائع ( منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين ) لأن المتأمل يجد أن المتأخرين عالة على المتقدمين في هذا العلم وكلهم يحاول موافقة المتقدمين في طريقتهم لكن منهم من لم يوفق في بعض المواضع ، فبعض المتأخرين يبني حكمه على ظاهر الإسناد دون النظر إلى العلل الخفية وكذلك عند الحكم على الرواة تجدهم يعتمدون قول المتأخرين الذين اختصروا عبارات المتقدمين في كتبهم كالذهبي والحافظ ابن حجر دون الرجوع إلى كلام المتقدمين .
لكن هذا لا يدعونا إلى تهويل الأمر وجعله مرقاة إلى الطعن في جهود المتأخرين كالبيهقي والخطيب البغدادي وابن عبد البر والمزي وابن القيم وابن كثير والذهبي وابن رجب والعراقي وابن حجر وفي عصرنا أحمد شاكر والمعلمي والألباني والوادعي والحويني وغيرهم من الذين شهد لهم أهل العلم بالتقدم في هذا الباب ، وكما قيل : كم ترك الأول للآخر .
وليعلم أن التفريق بين ( منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين ) من المحدثات التي ابتدعها طائفة من المتأخرين واستغلها من ينسبون إلى مذهب الخوارج للتنفير عن علماء السنة وأهل الحديث في هذا العصر ، و من تتبعنا لكلام كثير من أصحاب هذه الدعوة الجديدة نلاحظ عدة أمور:
أ) إنهم يدينون الله في كثير من مسائل العقيدة بما يخالف ما عليه أئمة العصر .
ب) إنهم في كثير من إجاباتهم يزهدون في أحكام المتأخرين على الأحاديث ويقصدون في كثير من كلامهم الشيخ الألباني فيلمزونه بأنه على منهج المتأخرين وبعضهم يقول ” هو على منهج المتقدمين فيما أصاب وعلى منهج المتأخرين فيما أخطأ ” ويظن أن هذا إنصاف منه ولم نسمع من هذا القائل أنه أيد الشيخ يوماً في تصحيحه أو تضعيفه لحديث ما .
جـ) إنهم مختلفون فيما بينهم في القواعد فهذا يقرر القاعدة ويقول هذا هو منهج المتقدمين والثاني يخالفه ويقول هذا هو منهج المتقدمين .
د) إنهم متناقضون مع أنفسهم في كثير من الأحكام فهذا فمثلا بعضهم يشترط العلم بالسماع فإذا مر به حديث لم يثبت فيه العلم بالسماع قال ” يُمشّى فمعناه مستقيم ” وكأنك تجلس أمام ابن مهدي أو ابن المديني أو البخاري !!
هـ ) إنهم يعتمدون في أحكامهم على كتب العلل .
قال الشيخ الألباني في رده على بعضهم ” المهم وصل به الأمر إلى أن يضعف حديث الإستفتاح : ( سبحانك اللهم … ) ، الذي جاء عن خمسة من الصحابة، وهو ينقد على طريقة بعض ذوي الأهواء هنا في الشام في الأردن ، وعلى كل حال نحن في الشام أيضاً فما خرجنا من الشام لكن انتقلنا من دمشق إلى عمّان ؛ الشاهد ما وجدته أصاب ، وإنما أخطأ خطأً فاحشاً ، فذكر لهذا الحديث خمسة أسانيد ينقدها فرداً فرداً ، ثم هنا موضع العجب والاستشهاد على الجهل المسيطر على بعض الشباب مع الأسف الشديد ؛ أنه ذكر حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستفتح بسبحانك اللهم …، ويرفع صوته يعّلم الناس مع أنه كان مستحضراً لهذا ، فضعف الحديث مع أنه لو لم يكن في هذا الميدان ، أو البحث إلا حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا ، وهو يعلنه على رؤوس الأشهاد، وفي مكان معلوم أن السنة فيه الأسرار، وهو يرفع صوته ليعّلم الناس من خلفه أن هذا من السنة ( سبحانك اللهم ..) فعجبت له، ها أنت ضعفت المفردات ، ولم تعبأ بقاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق مع الشرط المعروف ـ لديكم ـ وهو أن لا يشتد ضعفها ؛ فما بالك لم تقوّ ضعفها بهذا الشاهد في صحيح مسلم وفي غيره وقد صححه الإمام الدارقطني ؟! . الشاهد أنه يعتمد على العلل لأبن أبي حاتم ، ويقول : قال أبو حاتم كذا ، ولا يلجأ إلى البحث العلمي الذي أنت تدندن بسؤالك حوله ، حيث كان السؤال إذا كان بعض المتقدمين من الحفاظ ، قال في حديث ما إنه حديث منكر ، ووجد الباحث اليوم له إسناداً قوياً ، أو وجد له شواهد ومتابعات . فما هو موقفه ؟ موقفه أن يتبنى ما وصل إليه علمه إلا إذا كان ذلك الحافظ أدلى بحجته في إنكاره لذلك الحديث فهناك يُقال لكل حادث حديث . انتهى
و) يجعلون بعض الاستثناءات قواعد وأصول يبنون عليها فالمعروف عن المتقدمين أن الحديث الذي في متنه نكارة – وهذا لا يحكم به إلا خواص المتقدمين – يتطلبون له العلة فيأتي بعض الأغمار ويجعل تلك العلة قاعدة تعل بها باقي الأحاديث .
قال شيخنا الألباني في جوابه لسائل عن قولهم : الثقة إذا انفرد عن الزهري ما يُقبل هذا التفرد ، قالوا : أين تلامذة الزهري وتفرد هذا الثقة الوحيد ؟
قال السائل : ولهذا استدلال ببعض المواضع ، لكن لما تقرأ لهم في بعض المواضع لأبي حاتم في العلل ترى المتن فيه نكارة ، فلما كان المتن فيه نكارة أعلّه بعلة انفراد الثقة دون بقية الملازمين له والمكثرين عن الزهري .
فكان جواب الشيخ : أحسنت ؛ لأنه ليس لانفراده عن الزهري ؛ إنما للنكارة في المتن ” .
وهذا ما أشار إليه من قبل الحافظ ابن حجر في كتابه ” النكت ” ( 2/ 711) أثناء كلامه على معرفة علل الحديث فقال :
” وهذا الفن أغمض أنواع الحديث ، وأدقها مسلكاً ، ولا يقوم به إلا من منحه الله ـ تعالى ـ فهماً غايصاً ، واطلاعاً حاوياً ، وإدراكاً لمراتب الرواة ، ومعرفة ثاقبة ، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم ، وإليهم المرجع في ذلك ؛ لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك ؛ والاطلاع على غوامضه ، دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك .
قال : وقد تقصر عبارة المعلِل منهم ، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى ، كما في نقد الصيرفي سواء ، قال : فمتى وجدنا حديثاً قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم ـ بتعليله ـ ؛ فالأولى اتباعه في ذلك ، كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه .
قال : وهذا الشافعي ـ مع إمامته ـ يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه ، فيقول : وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث .
قال : وهذا حيث لا يوجد مخالف منهم لذلك المعلل ، وحيث يصرح بإثبات العلة ، فأما إن وجد غيره صححه ؛ ـ حينئذ ـ توجه النظر إلى الترجيح بين كلامهما ، وكذلك إذا أشار المعلل إلى العلة إشارة ، ولم يتبين منه ترجيح لإحدى الروايتين ، فإن ذلك يحتاج إلى الترجيح ، والله أعلم .أ.هـ
قلت : فلو كانت دعوة هؤلاء القوم تنحصر في الدعوة إلى منهج المتقدمين لما كان هنالك إنكار فهذه الدعوة من صميم دعوتنا إلى منهج السلف لكن هذه الدعوة أصبح فيها تنقص للمتأخرين بل التزهيد الشديد في تخريجاتهم بل أصبحوا يدندنون على بعض الأمثلة عند المتقدمين التي نظن إنهم أخطأوا فيها بل و تراجعوا عنها .
حتى إن بعضهم مكث فترة قبل أن يبدأ شيئاً من دروسه يحاضر باسم دروس في منهج المتقدمين أو المصطلح نسيت الآن وكلها دروس في نقد الشيخ الألباني وإظهاره بمظهر الناشيء في هذا العلم والذي لا يعرف أن يفرق بين الشاذ وزيادة الثقة والمنكر والصحيح ….
وكذلك المليباري بني كتابه الذي تكلم فيه عن منهج المتقدمين على مثالين استلهما من الإرواء وجعلهما عمدته في بيان عدم معرفة المتأخرين لمذهب المتقدمين .
وآخر منهم لا يعرف عنه إلا الطعن في الألباني والتزهيد من علمه وليس فقط تخريجاته ، وأنا لا أريد أن اثبت عصمة شيخنا رحمه الله ولا يوجد أحد يعتقد ذلك ، ولكن لم نعهد من العلماء المعاصرين الكلام عن الشيخ الإمام بهذه الطريقة التي يتكلم بها هؤلاء .
بل إن بعضهم كثيراً ما يقتنصون الفرص للمز في علم الشيخ بمجرد أن أحد الكتاب كتب تخريجا لحديث وخالف الشيخ فيما توصل إليه من نتيجة ولعل الصواب يكون في جانب الشيخ فيعلق فيقول مثلا :
وقد أبعد النجعة من صححه من المعاصرين !!!
والأمر فيما أرى أن الدعوة إلى منهج المتقدمين هي الأصل أما اختراع مصطلح منهج المتأخرين فهي خرافة ينبغي للإخوة الناصحين التنبه لهذه الدعوة وما تخفي في ثناياهها من الطعن في أهل العلم بل الطعن في السنة باسم السنة والعياذ بالله ، صحيح إن قلة من المتأخرين في تصرفاتهم يخالفون المتقدمين لكن ذلك لا يكفي ليكونوا منهجاً مستقلاً ، لأنهم يتفقون مع المتقدمين في كثير من قواعد هذا العلم ، بل المتقدمون أنفسهم وجد بينهم خلاف في مسائل معينة ومع هذا لم يُصَنفوا كمناهج مستقلة .
وهذه نصيحة أقدمها لكل من اغتر بهذه الدعوة من إخواننا أهل السنة وفيها التنبيه على أمور :
1) إننا متفقون على أن المتقدم أعلم وأقعد من المتأخر حتى قال الذهبي في الإسماعيلي وقد توفي عام 371 ” وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين “
وقال شيخنا أبو عبد الرحمن الوادعي ” فالمتقدمون أحدهم يعرف المحدث وما روى عن شيخه وما روى عن طلبته ويحفظون كتاب فلان ، فإذا حدث بحديث يقولون: هذا ليس بحديث فلان “
وقال شيخنا ناصر الدين ” الأصل هو التسليم للعلماء المتقدمين “
2) إننا متفقون على أن المتأخر ليس له أن يخالف ما أجمع عليه المتقدمون قال الحافظ ابن حجر ” يتبين عظم موقع كلام المتقدمين ، وشدة فحصهم ، وقوة بحثهم ، وصحة نظرهم ، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه ” .
3) المتقدمون كلامهم مقدم في أمور ليس للمتأخر أن يخالفهم فيها من ذلك حكمهم في الجرح والتعديل فليس للمتأخر أن يقول سبرنا !! روايات فلان ثم يخرج لنا بحكم يخالف فيه أهل الشأن من المتقدمين .
قال ابن كثير :” أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلماً من غير ذكر أسباب ، وذلك للعلم بمعرفتهم ، و اطلاعهم ، واضطلاعهم في هذا الشأن ، واتصفوا بالإنصاف والديانة ، والخبرة والنصح ، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكا أو كذاباً أو نحو ذلك فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفه في مواقفهم ، لصدقهم وأمانتهم و نصحهم ” .
4) ما يسمى بمنهج المتأخرين الذي يدندن حوله هؤلاء لا وجود له في الواقع وإنما الذي وجدناه أن بعض المتأخرين في تصرفاتهم واجتهادهم يخالفون المتقدمين في التطبيق لكن ذلك لا يكفي ليكونوا منهجاً مستقلاً ، لأنهم يتفقون مع المتقدمين في الخطوط العامة لهذا العلم .
5) محل الخلاف الذي يسوغ ويجب على المتخصصين في هذا العلم أن يشبعوه بحثاً ، متفرع إلى فرعين :
الأول ) إذا اختلف المتقدمون فيما بينهم و كانت الكثرة في جانب ، فهل يحق لنا أن نعارضهم بقول القلة !!.
ومثال ذلك إذا ضعف الإمام أحمد واسحاق وابن المديني وغيرهم حديثاً وصححه الترمذي أو النسائي أو أبو داود وكانت الحجة في نظرنا مع الطرف الثاني فهل يحق للمخالفين لنا أن ينكروا علينا ! ، وهل يحق للمخالف لنا أن يحكم علينا بأننا على منهج المتأخرين وأنه على منهج المتقدمين .
الذي أعرفه عن شيخنا أبي عبد الرحمن الوادعي أنه على هذا المنهج الذي ينكره أصحاب هذه الدعوة الجديدة ، وإن سموه منهج المتأخرين ولم أسمعه يستشهد في هذا الباب إلا بحديث معاذ من طريق قتيبة بن سعيد فلما قلت له ياشيخ ” إعلال الحديث بتفرد الثقة منهج لبعض المتقدمين وجمهورهم لا يعل بمجرد التفرد ” فقال لي ” يا أخانا يا أخانا أنت من تناطح !! “
فالشيخ يرى أن هذه الكثرة التي ردت حديث معاذ تمثل اتفاقاً لا يحق للمتأخر مخالفته وهذا كما ذكرت سابقاً أمر متفق عليه .
والشيخ يقول ” نعم إذا اختلف أئمة الحديث في الرواي أو في صحة الحديث وضعفه، فلك أن تنظر إلى القواعد الحديثية وترجح ما تراه صوابا إذا كانت لديك أهلية وإلا توقفت “
ولم نسمع الشيخ يوما ينتقد شيخنا الألباني في منهجه وطريقته كما يفعل بعض الأغمار وإن كان يخالفه في حكمه على بعض الأحاديث.
تنبيه :
محل الخلاف المشار إليه عند التطبيق العملي في الحكم على كثير من الأحاديث نجد أنه لا ينبني عليه عمل فحديث معاذ في الجمع بين الصلاتين وإن قلنا بضعفه فعندنا حديث أبي جحيفة في الصحيحين يقوم مقامه في بيان مشروعية جمع التقديم وقل مثل ذلك في حديث أبي موسى في المسح وغيرهما .
كذلك إذا ذكر المتقدم علة في الإسناد أو المتن وكان عند المتأخر جوابا شافياً لرد العلة التي صرح بها المتقدم فهل يحق للمتأخر مخالفة المتقدم وهل يوصف حينئذ أنه على منهج المتأخرين !! .
قال شيخنا ناصر الدين ” لا شك أن الأمر الثاني هو الواجب على طالب العلم القوي ، ولا يقف على قول ذلك الحافظ المتقدم في الحديث أنه منكر ، اللهم إلا في حالة واحدة وهي : أن يذكر السند ويذكر العلة ، أما مجرد أن ينكر ذلك المتن، أو ذلك الحديث ، ثم يبدو لبعض المتأخرين المتتبعين لسند الحديث فيجده صحيحاً ، أو على الأقل حسناً ، وبخاصة إذا ما وجد له شواهد ومتابعات، حينئذ لا بد من أن يتمسك برأيه واجتهاده وبالشرط الذي ذكرته آنفاً ” .